المنهاجي الأسيوطي

256

جواهر العقود

فإن قيل : كيف يكون عقدها مكروه ، والمقام عليها مكروه ؟ وقد سمع النبي ( ص ) الاعرابي الذي سأله عن الصلاة . يقول : هل علي غيرها ؟ فقال : لا ، إلا أن تطوع . فقال : والله لا أزيد على ذلك ولا أنقص منه ولم ينكر النبي ( ص ) عليه ؟ . قلنا : يحتمل أنه لما حلف أن لا يزيد ولا ينقص ، تضمنت يمينه ما هو طاعة ، وهو ترك النقصان عنها . فلذلك لم ينكر عليه . ويحتمل أن يكون لسانه سبق إلى اليمين . وعلمه النبي ( ص ) ، فلم ينكره عليه . لأنها لغو . ويحتمل أن النبي ( ص ) لم ينكر عليه ، ليدل على أن ترك التطوع جائز . وإن كانت اليمين مكروهة . وقد كان النبي ( ص ) يفعل المكروه . كالالتفات في الصلاة ، ليدل على الجواز . القسم الخامس : يمين عقدها مباح ، والمقام عليها مباح . واختلف أصحابنا في حلها . وذلك : مثل أن يحلف لادخلت هذه الدار ، ولا سلكت هذا الطريق وإنما كان عقدها والمقام عليها مباحا : لأنه يباح له ترك دخول الدار ، وترك سلوك الطريق . وهل حلها أفضل ، أم المقام عليها ؟ فيه وجهان . أحدهما : المقام عليها أفضل . لقوله تعالى : * ( ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها ) * . الثاني : حلها أفضل . لأنه إذا أقام على اليمين منع نفسه من فعل ما أبيح له . واليمين لا تغير المحلوف عليه عن حكمه . فرع : قال الشافعي : ومن حلف بغير الله فهو يمين مكروه ، مثل أن يحلف بأبيه ، أو بالنبي ( ص ) ، أو بالكعبة ، أو بأحد من الصحابة . وذلك لا يخلو من ثلاثة أقسام . أحدها : أن يقصد بذلك قصد اليمين ، ولا يعتقد في المحلوف به من التعظيم ما يعتقد في الله تعالى . فهذا يكره له ذلك ولا يكفر . لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي ( ص ) قال : لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ، ولا بالأنداد ، ولا تحلفوا إلا بالله ، ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون وروي أن النبي ( ص ) أدرك عمر رضي الله عنه في ركب ، وهو يحلف بأبيه فقال النبي ( ص ) : إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم . فمن كان حالفا